الشيخ السبحاني
96
الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل
شأن من أفعال اللّه وشؤونه سبحانه مستقلا ، لا ما إذا قام به بإذن اللّه وأمره ، فلا يكون عندها ندّا ، بل عبدا مطيعا له مؤتمرا بأمره ، منفذا لمشيئته تعالى ، هذا . وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى والعرب الجاهليين اعتقاد فريق منهم بأنّ اللّه سبحانه فوّض حقّ التقنين والتشريع إلى الرهبان والأحبار كما يقول القرآن الكريم : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ « 1 » ، وأنّ اللّه فوّض حقّ الشفاعة والمغفرة اللذين هما من حقوقه المختصة به - إلى أصنامهم ومعبوداتهم ، وأن هذه الأصنام والمعبودات « مستقلة » في التصرف في هذه الشؤون ، فهي شفعاؤهم عند اللّه ، ولأجل ذلك كانوا يعبدونها ، كما يقول عزّ من قائل : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ « 2 » . ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لا يشفع أحد إلّا بإذن اللّه ، فلو كان المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن اللّه لما كان لهذا الإصرار على مسألة متفق عليها بين المشركين ، أيّ مبرر . على أن ذلك الفريق من الجاهليين إنما كانوا يعبدون الأصنام لكونها تملك شفاعتهم ، وأنّ عبادتها توجب التقرب إلى اللّه ، لا لكونها خالقة أو مدبرة للكون ، وفي هذا يقول القرآن الكريم حاكيا مقالتهم : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى « 3 » . زبدة المقال خلاصة القول في المقام ، إنّ أي عمل ينبع من الاعتقاد بأنّ اللّه سبحانه إله العالم أو ربّه أو غني في فعله ، ويكون كاشفا عن هذا النوع من التسليم المطلق ، يعد عبادة له ، ويكون صاحبه مشركا إذا فعل ذلك لغير اللّه .
--> ( 1 ) سورة التوبة : الآية 31 . ( 2 ) سورة يونس : الآية 18 . ( 3 ) سورة الزمر : الآية 3 .